المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
د‏.‏ محمد السعيد إدريس
د‏.‏ محمد السعيد إدريس

الصـــراع على صـــنع المســـتقبل

الثلاثاء 15/سبتمبر/2015 - 10:40 ص

قبيل اكتشاف حقل الغاز المصرى الجديد بأسابيع قليلة جرى الترويج، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لفيديو يتحدث فيه شخص إسرائيلى غير محدد الهوية، لكن ما ورد على لسانه يكشف أنه ربما يكون أحد قادة الأحزاب الدينية المتطرفة أو أحد قادة المستوطنين الصهاينة المهووسين بأكذوبة أن فلسطين، كل فلسطين، هى «أرض الميعاد التى وهبها الرب لشعبه المختار» (الشعب اليهودي).

الحديث المذكور كان عبارة عن جزءين. فى الجزء الأول يتشفى الرجل فى الحال العربى المتردى، أو بالتحديد «واقع السقوط العربى» ويسخر، بل ويهزأ، من أى طموح عربى يمكن أن يمثل تهديداً مستقبلياً لإسرائيل. وفى الجزء الثانى انتقل من التشفى فى العرب والاستهزاء بواقعهم ومستقبلهم إلى الحديث باستعلاء وافتخار شديدين عن حال وواقع الدولة العبرية ومستقبلها الموعود «هى دولة رائعة وتصنع أشياء عظيمة» مقارنة بالمساهمات غير الخلاقة للعالم الإسلامى الذى لم يستطع أن يقدم شيئاً للعالم، ربما باستثناء «النفط السعودي»، وهنا كان الضحك عالياً من المستمعين إليه المؤيدين لحديثه.

ركز الرجل على الدمار الذى حدث للجيش العراقي، ولم يجرؤ على أن يقول إن الأمريكيين هم من دمروا الجيش العراقي، وإن رئيس حكومة الكيان الصهيونى الأسبق إيهود أولمرت كان أول المهنئين للرئيس الأمريكى جورج بوش صاحب قرار غزو واحتلال العراق وتدميره، وهو، أى أولمرت، من تقدم بالشكر الجزيل للرئيس الأمريكى على تدمير الجيش العراقى لأنه «خلَّص إسرائيل نهائياً من خطر أن يكون الجيش العراقى طرفاً فى أى معركة عربية محتملة ضد إسرائيل» كما ركز الرجل على أن نصف الجيش السورى جرى تدميره، والباقى لم يعد صالحاً للقتال، ولم يعلق بكلمة حول من هم الذين يدمرون الجيش السورى ولماذا؟ ولمصلحة من؟ كما لم يسلم الجيش المصرى من لسان هذا الرجل الذى تحدث باستخفاف عن حال الجيش المصرى وخلص إلى استنتاج مفاده أن «إسرائيل لم تعد معرضة لحرب جماعية عربية تخوضها جيوش عراقية وسورية ومصرية».

أخطر ما ورد على لسان هذا الرجل مجهول الهوية، الذى كان حريصاً على ارتداء القلنسوة اليهودية الشهيرة التى أراد أن يفصح بها عن حقيقة هويته بكونه يهودياً صهيونياً ومتطرفاً، هو حديثه عن حال المجتمعات العربية، التى لم تعد، من وجهة نظره، قادرة على الإبداع لأنها مصابة من داخلها بالمرض الخبيث الذى يفعل فى المجتمعات فعل مرض السرطان فى الأجساد، وهو إصابتها بـ «أنظمة الحكم المستبدة والفاسدة المفرطة فى اعتمادها على الأجهزة الأمنية لفرض استقرار هش وهزيل». فهذه الأنظمة تدمر وتخرِّب كل شىد 0 وأهم وأخطر ما تدمره هو قدرة المجتمعات على الطموح فى صنع مستقبل أفضل، وهذا بدوره أكثر ما يطمئن إسرائيل على أنها لم تعد معرضة للتهديد من جانب العرب، وأن إسرائيل، هى وحدها من يملك قرار المستقبل فى الشرق الأوسط «بالأجيال الرائعة من أبنائها المبهرين المنخرطين فى كل مجالات العلم التى لها علاقة بصنع المستقبل».

اختتم الرجل حديثه أو محاضرته، بعد استغراق طويل فى استعراض مجالات التفوق العلمى الإسرائيلى بقوله: «وفضلاً عن ذلك، وقبل أن ننسى لدينا غاز- نحن ننتصر».

أراد الرجل بهذه العبارة «الخاتمة» أن يعيد تأكيد التأكيد بأن إسرائيل هى «من يملك المستقبل» ولذلك جاءت ردود الفعل الإسرائيلية على أخبار اكتشاف الغاز المصرى الجديد معبرة عما يمكن وصفه بـ «صدمة المستقبل»، فالرجل فى حديثه كان حريصا على أمرين؛ الأول، أن التفوق الإسرائيلى هو «صناعة إسرائيلية باقتدار». والثاني، أن «الرب مع إسرائيل»، ومن هنا جاءت عبارته الختامية «لدينا غاز»، فى تأكيد لمعنى انحياز الرب مع إسرائيل، أو أن «الرب يعمل لمصلحة إسرائيل» هو الآخر، وجاء اكتشاف حقل الغاز المصرى ليدحض هذه الفرية وليقول لهم إن «الله سبحانه ليس محتكراً لصالح الإسرائيليين وإن للمصريين نصيبا فى عطاياه، وإن المستقبل لن يكون أبداً حكراً على إسرائيل انطلاقاً من هذا الفهم الذى كان يسعى الرجل إلى ترسيخه فى عقول مستمعيه لذلك لم يكن مستغرباً أن يعتبر الإسرائيليون إعلان اكتشاف حقل الغاز المصرى بمنزلة «حرب يوم غفران اقتصادية» فى إشارة إلى «حرب يوم الغفران العسكرية» (حرب السادس من أكتوبر 1973 المجيدة). كما اعتبره إسرائيليون آخرون (يوماً أسود) فى تاريخ إسرائيل التى آملت أن يسهم اكتشافها لحقل «لفيتان» للغاز بالبحر المتوسط فى تعزيز مكانتها الإستراتيجية فى المنطقة عبر التحول من مستورد للطاقة إلى مُصدِّر لها. وهنا تجدر الإشارة إلى أن حقل «لفيتان» الإسرائيلى الذى كان يعتبر الاكتشاف الأهم فى مجال الطاقة فى القرن الحادى والعشرين لا يحتوى إلا على 21 تريليون قدم مكعب من الغاز، فى حين يحتوى الحقل المصرى الواقع فى عمق المنطقة الاقتصادية المصرية بالبحر المتوسط على 30 تريليون قدم مكعب، وبحساب بسيط، وحسب رؤية تشارلز آليتس المدير العام السابق لشركة الغاز القبرصية فإن «الاكتشاف المصرى يشكل تابوت دفن خيار تصدير الغاز إلى مصر» لأنه لن يكفى فقط لسد حاجات مصر من الغاز بل سيكون بمقدورها تصدير كميات كبيرة منه أيضاً، ومن ثم لن تكون فى حاجة إلى شراء الغاز لا من إسرائيل ولا من قبرص.

كارثة إسرائيل باتت مزدوجة بعد إنهاء الحظر المفروض على النفط والغاز الإيرانى كإحدى نتائج الاتفاق النووى الذى جرى توقيعه مع إيران. فلأول مرة اضطر الإسرائيليون إلى الإفصاح عن أحد الأسرار المهمة فى عدائهم الشديد ضد هذا الاتفاق النووى وإصرارهم على استمرار فرض العقوبات على إيران وعدم التوصل نهائياً إلى اتفاق معها حول أزمة برنامجها النووي. هذا السر هو أن الإسرائيليين كانوا يطمحون إلى أن تكون تركيا أهم أسواق استيراد الغاز الإسرائيلى إلى جانب كل من السوق المصرية والسوق الأردنية. ولكن بعد إنهاء الحظر الدولى المفروض على استيراد النفط والغاز الإيرانى ستفقد إسرائيل السوق التركية التى ستعتمد على استيراد الغاز والنفط من إيران، وها هى مصر تكسر قلوب الإسرائيليين وتفلت من سياج طموحاتهم لتصدير الغاز إليها، ومعها أيضاً الأردن التى سوف تعتمد حتماً على استيراد الغاز المصرى نظراً لوجود أنابيب نقل هذا الغاز، عكس الحال مع إسرائيل. لذلك لم يكن مستغرباً أن يفقد الإسرائيليون عقولهم فى التعبير عن صدمتهم الكبرى من اكتشاف حقل الغاز الجديد بالتوجه لفتح ملف خلافى جديد يتعلق بالموقف المصرى العدائى من القدرات النووية العسكرية الإسرائيلية، وهو ملف قابل للتصعيد فى ظل متغيرين مهمين؛ أولهما الإصرار المصرى على منع الانتشار النووى العسكرى فى الشرق الأوسط بالدعوة إلى جعل الشرق الأوسط إقليماً خالياً من الأسلحة النووية والإصرار على حتمية التوقيع الإسرائيلى على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وفتح منشآت إسرائيل النووية أمام مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وثانيهما، إقدام مصر بثبات على الدخول فى مجال إنتاج الطاقة النووية، ومن هنا سوف يبدأ الصدام المصرى مع إسرائيل فى صنع المستقبل وإسقاط كل النبوءات الإسرائيلية لاحتكار هذا المستقبل.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟