المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
مريم عماد
مريم عماد

التطبيع الإسرائيلي مع الدول الأفريقية

الأربعاء 02/أبريل/2025 - 04:01 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات

المقدمة

شهدت السنوات الأخيرة تحولًا كبيرًا في طبيعة العلاقات بين إسرائيل والدول الأفريقية، حيث عملت إسرائيل على تعزيز وجودها في القارة الأفريقية عبر مسارات دبلوماسية واقتصادية وأمنية مكثفة.

لم يكن هذا التقارب مجرد إعادة للعلاقات الدبلوماسية، بل جاء ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تحقيق مصالح سياسية واقتصادية وأمنية، إضافة إلى التأثير على مواقف الدول الأفريقية في المحافل الدولية، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

 فقد كانت الدول الأفريقية تاريخيًا داعمًا قويًا للقضية الفلسطينية، لكن مع تغير التوازنات الدولية والإقليمية، استطاعت إسرائيل أن تؤثر على مواقف العديد من الحكومات الأفريقية، مما انعكس على أنماط التصويت في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى.

هذا التحليل يسعى إلى استكشاف الدوافع الكامنة وراء هذا التقارب، وآلياته، وتأثيراته، بالإضافة إلى رصد ردود الفعل العربية والإسلامية تجاهه.

أولًا- دوافع التطبيع الإسرائيلي مع الدول الأفريقية

تسعى إسرائيل إلى كسر العزلة الدبلوماسية التي واجهتها لعقود طويلة، خاصة بعد قمة أديس أبابا عام 1973 التي شهدت قطع العلاقات بين معظم الدول الأفريقية وإسرائيل، وذلك في سياق التضامن الأفريقي مع القضية الفلسطينية. كما تعمل على تقليل الدعم الأفريقي التقليدي للفلسطينيين عبر استمالة الحكومات الأفريقية، لا سيما أن العديد من هذه الدول كانت جزءًا من حركة عدم الانحياز التي دعمت القضية الفلسطينية في المحافل الدولية.(1)

 ومن خلال تعزيز علاقاتها مع دول الجنوب العالمي، تسعى إسرائيل إلى تحسين صورتها عالميًا، ما يمنحها شرعية دولية ويقلل من العزلة المفروضة عليها.

علاوة على ذلك، تحرص إسرائيل على تحقيق مكاسب سياسية داخل المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، حيث تلعب الأصوات الأفريقية دورًا مؤثرًا في صناعة القرار.

على الصعيد الاقتصادي، تبحث إسرائيل عن أسواق جديدة للاستثمارات، خاصة في مجالات التكنولوجيا والزراعة والمياه، حيث تقدم حلولًا تقنية تعزز الإنتاج الزراعي في القارة التي تعاني من تحديات في الأمن الغذائي.

كما تستغل الموارد الطبيعية الأفريقية لتعزيز اقتصادها، مع التركيز على المناجم والمعادن الثمينة واليورانيوم، الذي يعد عنصرًا استراتيجيًا في الصناعات العسكرية.

إضافة إلى ذلك، تلعب إسرائيل دورًا رئيسيًا في بيع الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية لدول تعاني من نزاعات داخلية، ما يعزز نفوذها الاقتصادي والسياسي في القارة.

أما من الناحية الأمنية والاستراتيجية، فإن تعزيز الوجود الإسرائيلي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يعد أولوية لمواجهة التهديدات الأمنية وتأمين الممرات البحرية التي تؤثر على التجارة العالمية.

كما تعمل إسرائيل على تقويض النفوذ الإيراني والتركي المتزايد في القارة، حيث ترى أن وجود إيران في بعض الدول الأفريقية يشكل تهديدًا أمنيًا لمصالحها، لا سيما في ظل تعاون طهران مع بعض الجماعات المسلحة.

وتسعى أيضًا إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية الأفريقية لمكافحة هذه الجماعات التي قد تشكل خطرًا عليها أو على حلفائها، من خلال توفير تكنولوجيا المراقبة والتجسس والتدريب العسكري لقوات الأمن في بعض الدول.(2)

ثانيًاً- كيفية تطويع إسرائيل للكتلة التصويتية الأفريقية في الأمم المتحدة

تعتمد إسرائيل على استراتيجية المساعدات والتعاون التنموي لتعزيز تأثيرها في القارة الأفريقية، فهي تقدم مساعدات تنموية وبرامج تدريبية في مجالات الزراعة والتكنولوجيا والصحة، ما يمنحها نفوذًا كبيرًا لدى الحكومات الأفريقية. كما تستغل حاجة الدول الأفريقية إلى الدعم الاقتصادي والتنموي لتغيير مواقفها في التصويت الدولي، حيث توظف هذه المساعدات كأداة ضغط دبلوماسية.

وبالإضافة إلى إرسال خبراء إسرائيليين للمشاركة في مشاريع تنموية، تسعى إسرائيل إلى إقامة شراكات مع منظمات غير حكومية أفريقية لتعزيز علاقاتها مع الحكومات والشعوب.

وفي إطار النفوذ الدبلوماسي، أعادت إسرائيل فتح العديد من سفاراتها في أفريقيا وعززت التبادل الدبلوماسي مع الدول الأفريقية من خلال توقيع اتفاقيات تعاون في مجالات الأمن السيبراني والاستخبارات. كما تقدم منحًا دراسية للطلاب الأفارقة للدراسة في جامعاتها، ما يسهم في تشكيل نخبة أفريقية موالية لإسرائيل. وإلى جانب ذلك، تنظم زيارات رسمية بين القادة الأفارقة والإسرائيليين لتعزيز العلاقات الثنائية.(3)

أما من ناحية استغلال الانقسامات الأفريقية، فتقوم إسرائيل بدعم أنظمة سياسية على حساب أخرى بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.

كما توظف النزاعات الداخلية لتعزيز نفوذها من خلال تقديم الدعم العسكري والاقتصادي لبعض الحكومات مقابل الحصول على دعمها السياسي في المحافل الدولية، وتسعى إسرائيل أيضًا إلى التأثير على الرأي العام الأفريقي من خلال الإعلام والدعاية، حيث تستخدم قنوات ومنظمات تروج لنجاحاتها التنموية والتكنولوجية في القارة.

ثالثًا- التأثيرات المترتبة على التطبيع الأفريقي الإسرائيلي

أدى التقارب الإسرائيلي مع الدول الأفريقية إلى تراجع التأييد الأفريقي التقليدي لحقوق الفلسطينيين في المؤسسات الدولية، حيث بدأت بعض الدول الأفريقية بتغيير نمط تصويتها في القضايا المتعلقة بفلسطين.

كما صوتت بعض الدول لصالح إسرائيل في قضايا حساسة بالأمم المتحدة، إما من خلال الامتناع عن التصويت أو التصويت ضد قرارات تدين الانتهاكات الإسرائيلية، وقد انعكس ذلك أيضًا في تقليل الدعم المالي والسياسي للمنظمات الفلسطينية من قبل بعض الدول الأفريقية التي أصبحت أكثر تقاربًا مع إسرائيل.

رابعًا- المواقف العربية والإسلامية من التطبيع الأفريقي الإسرائيلي

تباينت ردود الفعل العربية تجاه التطبيع الإسرائيلي مع أفريقيا بين دول مؤيدة أو محايدة وأخرى رافضة بشدة لهذا التقارب.

بعض الدول العربية التي لديها علاقات مع إسرائيل لا تعارض بالضرورة هذا التطبيع، بينما حاولت دول أخرى الضغط على الحكومات الأفريقية لوقفه عبر استخدام المساعدات الاقتصادية والاستثمارات كوسيلة ضغط. ومع ذلك، فإن الموقف العربي الموحد تجاه هذه القضية لا يزال ضعيفًا نتيجة لانشغال بعض الدول بأزماتها الداخلية.(4)

أما على المستوى الإسلامي العام، فإن الحركات الإسلامية في أفريقيا لا تزال تؤثر على موقف الشارع الأفريقي من إسرائيل، حيث تعارض بعض المجتمعات الإسلامية بشدة أي شكل من أشكال التطبيع. وقد لعبت المنظمات الإسلامية دورًا في مقاومة هذا التطبيع عبر حملات توعوية ودبلوماسية، مثل المؤسسات التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، بينما سعت بعض الدول الإسلامية إلى تقديم بدائل للتعاون الإسرائيلي-الأفريقي من خلال مشاريع تنموية بديلة.

الخاتمة

يعكس التطبيع الإسرائيلي مع الدول الأفريقية تحولًا استراتيجيًا بعيد المدى، حيث تسعى إسرائيل من خلاله إلى ترسيخ وجودها في القارة وتوظيف نفوذها لخدمة مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية.

ومع تراجع المواقف الأفريقية التقليدية الداعمة للقضية الفلسطينية، يصبح من الضروري على الدول العربية والإسلامية إعادة تقييم استراتيجياتها في أفريقيا، سواء عبر تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي أو من خلال توظيف أدوات دبلوماسية أكثر فاعلية لحماية مصالحها الإقليمية والدولية.

الهوامش

1)     عاشور، محمد. إسرائيل وأفريقيا: الأبعاد الاستراتيجية للتغلغل الإسرائيلي في القارة السمراء.

2)        Pearce, Oliver. "Israel and Africa: A Renewed Relationship?" Chatham House.

3)     حسن، أحمد. التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا: الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية. مركز دراسات الوحدة العربية، 2019.

4)     العرابي، نبيل. السياسة الخارجية العربية والتغلغل الإسرائيلي في أفريقيا: التحديات والفرص. مركز دراسات الشرق الأوسط، 2021.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟